طاهر سليمان حموده

154

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

التصوف ، وهل لها دلالات معينة على عقله ومنهجه في التفكير ؟ . لقد ترك السيوطي في التصوف عددا لا بأس به من الرسائل ، وأفتى ببعض الفتاوى فيه ونرى في فتاواه تعمقه في فهم التصوف ومصطلحاته ومذاهب أهله ، كما نرى دفاعه عن رجال التصوف المبرّزين وانتصاره لهم ، كذلك نرى دفاعه عما يصدر عن المتصوفة من أفعال ينكرها عليهم أهل الظاهر ، ويعد ذلك من الأحوال التي تعرض لهم ، وعلى غيرهم أن يسلم بها « 1 » . والذي نلاحظه على كتاباته في التصوف حبه العميق للمتصوفة وحسن ظنه بهم ، وتساهله في إيراد الأحاديث التي تدعم أقوالهم ، ولو كانت هذه الأحاديث تروي غرائب أو أشياء قد ينكرها العقل ، ولا يقر بقبولها . فهو مثلا يكتب رسالة يسميها « المنجلي في تطور الولي » « 2 » ، يحاول أن يثبت فيها نقلا وعقلا إمكان وجود الولي في أكثر من مكان في الوقت الواحد ، ويفيض في الأقوال المثبتة لما يقول وبالرغم من ذلك فإنه في كلامه عن حديث « من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة » ، والذي عقد له رسالة سماها « القول الجلي في أحاديث الولي » « 3 » ، لم يزد على إيراده بأمانة جميع الطرق التي ورد بها الحديث وكلام أصحاب الحديث عن رجال هذه الطرق وتضعيف بعضهم ، والحكم على الحديث بالضعف أو بالغرابة ، ولم يعلق على ما نقله بشيء ، وهذا يدلنا في الحقيقة على أمانته وتحرجه ، بيد أنه لميله إلى التصوف يرجح ما يسند أقوالهم ، فهو يرجح - مثلا - كون الحسن البصري قد لقي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وروى عنه ، مع نص ابن حجر وغيره من كبار المحدثين على أنه لم يلقه ، وذلك لأن المتصوفة يروون أن عليا قد ألبس الحسن خرقة التصوف ، فإثبات عدم اللقاء يهدم قولهم ولذلك كتب السيوطي رسالة سماها « إتحاف الفرقة برفو الخرقة » حاول فيها إثبات رواية الحسن عن علي وبالتالي إثبات الباسه إياه خرقة

--> ( 1 ) انظر الحاوي للفتاوى ج 2 ص 405 وما بعدها ، بعض الفتاوى المتعلقة بالتصوف . ( 2 ) الحاوي ج 1 ص 335 . ( 3 ) الحاوي ج 1 ص 560 .